محمد جواد مغنية

542

في ظلال نهج البلاغة

كلا منهما بالآخر قال ، عز من قائل : * ( « والْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) * - 254 البقرة » . وقال : * ( « ولكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ الله يَجْحَدُونَ ) * - 33 الأنعام » ومعنى الآيتين معطوفة إحداهما على الثانية أن كل كافر ظالم ، وكل ظالم كافر بآيات اللَّه ، وان اعترف بلسانه ، والتأويل يفتقر إلى الدليل . وقال رسول اللَّه ( ص ) : « من أعان ظالما ، وهو يعلم أنه ظالم فقد برئ من الاسلام » . والبراء من الإسلام كفر وإلحاد ، وإذا كان هذا حال من أعان فكيف بحال المباشر والفاعل . ومن تتبع آي الذكر الحكيم التي حثت على قتال المشركين وجهادهم - يجد أن الكثير منها يحمل السبب الموجب للقتال ، وانه الردع عن البغي والدفاع عن المستضعفين ، وضمان حريتهم وأقواتهم ، لا لمجرد الشرك والإلحاد . قال تعالى : * ( « وما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله والْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والْوِلْدانِ ) * 75 النساء » . * ( « أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ) * - 39 الحج » . * ( « فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ) * - 91 البقرة » . وغير ذلك كثير . ان الأنظمة والقوانين بكاملها تحاسب وتعاقب المعتدين - كما أشرنا - ولكنها تترك حرية العقيدة للناس ، ولا تتعرض لأحد بسوء من أجل عقيدته ان عزل شره عن غيره ، ولم يتعرض لعقيدة الآخرين . . هذا ، إلى أن الدين اعتقاد وتصديق ، ولا مكان له إلا القلب ، ولا سلطان على أعماقه إلا لخالقه ، وإذا كان الإكراه محالا فالتكليف به تكليف بالمحال ، وإذن فلا يأمر اللَّه به وبالقتال من أجله ، وقلنا في « التفسير الكاشف » : ان الأمر بالإيمان أمر بوجود أسبابه التي بينها سبحانه في كتابه من التفكير في الأنفس ، وفي خلق السماوات والأرض ، وان النهي عن الكفر نهي عن ترتيب آثاره ، وإذا وجب القتال على البغي دون الكفر فمعنى هذا ان جريمة الاعتداء أعظم من جريمة الكفر والشرك . . أجل ، من ظلم وهو ينطق بالشهادتين يعامل معاملة المسلم في الدنيا من حيث الزواج والإرث ونحوه ، وفي الآخرة عليه ما على المشركين والملحدين . وفي « أصول الكافي » عن الإمام الصادق ( ع ) : « ما أكثر من يشهد له المؤمنون بالإيمان ، ويجري عليه أحكام المؤمنين ، وهو عند اللَّه كافر ، وقد أصاب من أجرى عليه أحكام الإيمان بظاهر قوله وعمله » .